
جدارا: مدينة الشعراء والفلاسفة في أم قيس
على قمّة تلّ في أقصى شمال الأردن، بين أعمدة البازلت الأسود وأشجار الزيتون، عاش ذات زمن عددٌ لافت من الكتّاب والمفكّرين. وكانت مدينتهم، جدارا، فخورةً بعلمها إلى حدّ أنّ أحد شعرائها سمّاها «وطنًا أتّيكيًّا»، أي أثينا صغيرة في الشرق.
مدينة على حافّة التلال
قامت جدارا حيث تقع قرية أم قيس اليوم، على سلسلة مرتفعة تطلّ إطلالة رحبة على وادي الأردن ومضيق اليرموك والبحيرة المعروفة ببحيرة طبريا. وغدت مدينة هلنستية مهمّة ثم رومانية، وإحدى المدن المعروفة بالديكابوليس، فنمت ثراءً وثقافة. تكلّم أهلها اليونانية، وشيّدوا المعابد والمسارح والشوارع المعمّدة، وأعلوا من شأن التعليم. وكانت الينابيع الحارّة القريبة، في المكان الذي يُسمّى اليوم الحمّة، ذائعة الصيت في العالم القديم، يقصدها الزوّار للاستحمام. وفي هذه البيئة ازدهرت حياة فكرية نابضة.
شعراء جدارا ومفكّروها
من أشهر أبناء جدارا مينيبوس، الفيلسوف من المدرسة الكلبية الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد. كتب أعمالًا فكاهية تمزج النثر بالشعر سخريةً من غرور البشر وحماقتهم، فعُرف هذا الأسلوب بـ«الهجاء المينيبي»، واستلهمه كتّابٌ في قرون كثيرة تالية. ونحو أواخر القرن الثاني قبل الميلاد وُلد في جدارا الشاعر ميلياغروس، الذي نظم قصائد قصيرة رشيقة في الحبّ والطبيعة، وجمع قصائد كثير من الشعراء الآخرين في مختارات سمّاها «الإكليل». وصارت هذه المجموعة أحد أسس «المختارات اليونانية» التي حفظت آلاف القصائد القديمة حتى يومنا هذا.

الفيلسوف الذي نجت كتبه من بركان
أمّا فيلوديموس الجداري، المولود نحو عام 110 قبل الميلاد، فغدا معلّمًا مرموقًا لفلسفة أبيقور، التي تعلّم أنّ الحياة الهادئة البسيطة الخالية من الخوف هي مفتاح السعادة. واستقرّ لاحقًا في إيطاليا، حيث ارتبط بكبار الكتّاب الرومان ورعاة الأدب. وفي منعطفٍ مدهش من التاريخ، عُثر على مكتبة من اللفائف تضمّ كثيرًا من أعماله في فيلّا رومانية في هركولانيوم قرب نابولي، كانت قد طُمرت بثوران بركان فيزوف عام 79 للميلاد. تفحّمت اللفائف، وما زال الباحثون يستعينون بالتقنيات الحديثة لقراءتها، كلمةً كلمة.
زيارة أم قيس اليوم
في أم قيس يمكنك أن تمشي على امتداد الشارع الرئيسي القديم، وتجلس في المسرح الغربي المبني من البازلت الأسود، وتستكشف بقايا الكنائس والمتاجر ومجمّع حمّامات كبير. ويعرض متحفٌ صغير في بيت مرمَّم من العهد العثماني لُقى من الموقع، منها تمثال رخاميّ بديع لإلهة جالسة عُثر عليه في المسرح. تعالَ في آخر العصر، حين يستحيل الضوء ذهبيًّا فوق الأودية والبحيرة، وسيسهل عليك أن تفهم لماذا وجد الشعراء والفلاسفة هنا ذات يوم إلهامهم. وقراءة قصيدة قصيرة لميلياغروس على درجات المسرح طريقة رائعة لتعيد إلى المدينة الحياة.
أسئلة شائعة
ما هي جدارا القديمة؟
جدارا مدينة هلنستية ورومانية في شمال الأردن، في موضع قرية أم قيس اليوم. كانت من الديكابوليس، وهي مجموعة من المدن الناطقة باليونانية في المنطقة، وعُرفت بثقافتها وعلمها. ومن أطلالها مسرحٌ من البازلت، وشارعٌ معمّد، وكنائس.
من أشهر الكتّاب الذين أنجبتهم جدارا؟
كانت جدارا موطن الكاتب الساخر مينيبوس، والشاعر ميلياغروس الذي جمع مختارات «الإكليل» من الشعر اليوناني، والفيلسوف الأبيقوري فيلوديموس. وجاء من المدينة كذلك معلّمون وكتّاب آخرون. وقد وصف ميلياغروس جدارا بفخر بأنها أثينا صغيرة بين شعوب الشرق.
ماذا يمكن أن أرى في أم قيس؟
يمكن للزوّار استكشاف المسرح الغربي المبني من البازلت الأسود، والشارع الرئيسي المعمّد، وبقايا الكنائس والحمّامات، ومتحف صغير في بيت تقليدي مرمَّم. ويمنح الموقع كذلك إطلالات رحبة على وادي الأردن ومضيق اليرموك وبحيرة طبريا، تزداد جمالًا عند الغروب.
المزيد من الحكايات

مكاور والينابيع الحارّة: قلعة هيرودس المطلّة على البحر الميت

ذهب الفرعون: أسطورة الجرّة على واجهة خزنة البتراء

عين موسى: نبع النبي موسى على أبواب البتراء

الشيخ إبراهيم والمدينة الورديّة: كيف وصل بوركهارت إلى البتراء عام 1812

امرأة لوط وعمود الملح والكهف المطلّ على البحر الميت

خريطة مادبا الفسيفسائية: أقدم خريطة للأراضي المقدّسة وُجدت تحت أرضية كنيسة

وجوه عين غزال الصامتة: من أقدم تماثيل الهيئة البشرية
