أردنّنا
ذهب الفرعون: أسطورة الجرّة على واجهة خزنة البتراء
أسطورة · البتراء

ذهب الفرعون: أسطورة الجرّة على واجهة خزنة البتراء

عاليًا على واجهة أشهر معالم البتراء تقوم جرّةٌ منحوتة في الحجر، وإن أمعنتَ النظر رأيتَ عليها ندوبًا من ثقوب صغيرة مستديرة. أجيالًا متعاقبة ظلّ الناس يعتقدون أنّ هذه الجرّة مملوءة ذهبًا خبّأه فرعونٌ قديم، وما تلك الثقوب إلا آثارُ من حاولوا أن يُنزلوا الكنز من عليائه.

كنزٌ مخبوء في الصخر

الاسم الذي يعرفه أهل المكان يروي الحكاية وحده؛ فقد سمّى بدو جبال البتراء هذا الصرح «خزنة فرعون». وتقول الأسطورة المحلية إنّ فرعونًا من فراعنة مصر مرّ يومًا بهذه الجبال حاملًا ثروة عظيمة، وكان المسير في الشعاب الضيقة بطيئًا محفوفًا بالخطر، فاستعان بسحره ليرفع هذا البناء البديع من قلب الجرف، ثم وضع ذهبه في الجرّة التي تعلوه، حيث لا تبلغها يدُ بشر.

وفي روايات أخرى يتبدّل صاحب الكنز؛ فمنهم من يقول إنّ الذهب كان لعصابة من اللصوص خبّأت غنائمها عاليًا في الصخر، ومنهم من يتحدّث عن ملكٍ طواه النسيان. غير أنّ الكنز واحدٌ في كل الروايات: محكَمٌ داخل الجرّة الحجرية، ينتظر فوق رؤوس كل المسافرين الخارجين من السيق.

آثار الرصاص على الجرّة

إن كان الكنز في الجرّة، فكسرُها كفيلٌ بإطلاقه. هذه الفكرة البسيطة دفعت رجالًا من أهل المنطقة، على مدى سنوات طويلة، إلى إطلاق بنادقهم نحو أعلى الواجهة، أملًا في طلقةٍ محظوظة تشقّ الحجر فتنهمر الدنانير الذهبية على الرمل في الأسفل. لكنّ شيئًا لم يسقط قط، فالجرّة منحوتة من صخر مُصمَت ولم تكن جوفاء يومًا.

ومع ذلك تركت الطلقات أثرها. فبالمنظار، بل بالعين الحادّة في صباح مشرق، ما زال بإمكانك أن ترى سطح الجرّة المجدور. وقد غدت هذه الندوب الصغيرة جزءًا من حكاية الصرح، وشاهدًا على أنّ أسطورةً ما شكّلت ذات زمن نظرة الناس إلى البتراء. وكثيرًا ما يسعد الأدلّاء المحليون بأن يدلّوك على هذه الآثار ويعيدوا رواية الحكاية القديمة بكلماتهم.

آثار الرصاص على الجرّة
صورة: Bernard Gagnon · CC BY-SA 3.0

ما يعرفه المؤرّخون وعلماء الآثار

نحت الأنباطُ الخزنةَ، وهم الشعب العربي الذي بنى البتراء، والأرجح أنّ ذلك كان نحو القرن الأول قبل الميلاد أو القرن الأول الميلادي. لا شأن لأيّ فرعون بها، ولم يُعثر فيها على كنز قط. ويرى معظم الباحثين أنها بُنيت قبرًا ملكيًا أو صرحًا تذكاريًا، ويربطها كثيرون بالملك الحارث الرابع، أحد أقوى ملوك الأنباط. وتمزج واجهتها، التي يبلغ ارتفاعها نحو 40 مترًا، الذوقَ النبطي بأساليب مستعارة من العالمين اليوناني والروماني.

وفي عام 2003 عثر علماء آثار كانوا ينقّبون أمام الواجهة على مقابر تحت مستوى الأرض الحالي، فتبيّن أنّ أرضية الساحة الأصلية كانت أخفض مما هي عليه اليوم، وأنّ الخزنة كانت جزءًا من مجمّع جنائزي أوسع. ويحلو للباحثين أن يقولوا إنّ الكنز الحقيقي لهذا البناء هو ما يحفظه من معرفة بالأنباط.

لقاء الجرّة اليوم

ما زالت أجمل طريقة للقاء الخزنة هي أقدمها: أن تمشي في السيق حتى ينفرج الشِّعب وتطلّ الواجهة في شريحة من الضوء. تعال في الصباح الباكر، حين تكون الساحة هادئة وتبدأ الشمس بملامسة الصخر. لا يُسمح للزوّار بدخول الحجرة الداخلية، لكن بوسعك أن تقف قريبًا من الواجهة وتتأمّل تماثيلها المنحوتة. ولترى الجرّة في مستوى نظرك، اسلك أحد الدروب الصاعدة إلى المطلّات فوق الخزنة، ويُفضَّل أن يرافقك دليل محلّي. من هناك تبدو آثار الرصاص أوضح، وتشعر فجأة أنّ الأسطورة كلّها قريبة جدًّا منك.

أسئلة شائعة

هل في جرّة خزنة البتراء كنزٌ حقًّا؟

لا. فالجرّة التي تعلو الخزنة منحوتة من الحجر الرملي المُصمَت ولم تكن جوفاء يومًا. أمّا حكاية الذهب المخبوء فأسطورة محلية، ومنها جاء اسم «الخزنة». والثقوب الصغيرة على الجرّة أحدثها أناسٌ أطلقوا عليها النار أملًا في كسرها، لكنّ أحدًا لم يعثر على كنز قط.

لماذا تُسمّى الخزنة بهذا الاسم إن كانت قبرًا؟

جاء الاسم من الأسطورة البدوية التي تقول إنّ فرعونًا خبّأ ذهبه في الجرّة التي على الواجهة، و«الخزنة» تعني ببساطة مكان حفظ الكنز. ويرى علماء الآثار أنّ البناء كان في حقيقته قبرًا ملكيًا أو صرحًا تذكاريًا نحته الأنباط قبل نحو 2000 عام، ربما للملك الحارث الرابع.

هل يمكن دخول خزنة البتراء؟

لا يُسمح للزوّار بدخول الحجرة الداخلية للخزنة، وفي ذلك حماية للصرح. لكن بوسعك الوقوف في الساحة أمام الواجهة، والنظر إلى المدخل من بعيد، ومشاهدة البناء من الدروب التي تعلوه. أمّا الداخل فغرفة مربّعة بسيطة، تختلف كثيرًا عن الواجهة الغنيّة بالزخارف.