
سادة الماء: كيف جعل الأنباط الصحراء تزهر
يأتي معظم الزوّار إلى البتراء من أجل واجهاتها المنحوتة. لكنّ أعظم ما أنجزه الأنباط قد يكون شيئًا يسهل أن يفوتك: شبكة مياه خفيّة أتاحت لمدينة مزدهرة أن تحيا في أرضٍ قليلة المطر جدًّا.
شعبٌ يقرأ الصحراء
بدأ الأنباط عربًا رُحّلًا يجوبون طرق التجارة في جزيرة العرب، يحملون البخور والتوابل وسائر البضائع النفيسة. وقد لاحظ الكتّاب القدامى فيهم مهارة خاصة: كانوا يعرفون كيف يجدون الماء في الصحراء ويخزّنونه، فيحفرون آبارًا خفيّة ويكتمون مواضعها عن الغرباء. وحين استقرّوا في البتراء حوّلوا هذه المعرفة إلى هندسة على نطاق واسع. فالمطر في هذه الديار نادر، لكنه حين يأتي كثيرًا ما يهطل في عواصف مفاجئة تُطلق السيول مندفعةً في الأودية. فتعلّم الأنباط أن يتغلّبوا على المشكلتين معًا: أن يحموا المدينة من السيول، وأن يدّخروا كلّ قطرة لأشهر الجفاف.
قنوات وأنابيب وآبار
حين تمشي في السيق، انظر إلى الجدران عند مستوى الخصر تقريبًا. سترى على أحد الجانبين قناةً محفورة في الصخر، وعلى الجانب الآخر بقايا خطّ من الأنابيب الفخارية المتّصلة طرفًا بطرف. كانت هذه تحمل الماء من ينابيع خارج المدينة، ومنها عين موسى، حتى داخل البتراء، بانحدار لطيف مدروس بعناية.
وفي أرجاء المدينة كانت مياه الأمطار تُوجَّه من الأسطح وواجهات الصخر إلى قنوات تغذّي مئات الآبار والخزّانات. وكانت أحواض الترسيب تتيح للرمل والطين أن يرسبا قبل أن يمضي الماء الصافي في طريقه. وكان بعض الماء يغذّي نوافير عامة وحدائق، بل وبركة كبيرة تتوسّطها جزيرة عليها جناحٌ قرب وسط المدينة. ولم يكن يُهدَر من الماء إلا القليل.

ترويض السيول
وبنى الأنباط كذلك سدًّا عند مدخل السيق، وشقّوا نفقًا في الصخر يحوّل مياه السيول بعيدًا عن الشِّعب إلى وادٍ مجاور، فبقي المدخل الرئيسي للمدينة آمنًا في عواصف الشتاء. وكانت سدود أصغر في الأودية الجانبية تُبطئ جريان الماء، فيتشرّبه باطن الأرض أو يُجمع. والمهندسون المعاصرون الذين درسوا هذه الأنظمة معجبون بدقّتها. وقد أُعيد لاحقًا بناء منظومة النفق والسدّ عند مدخل السيق على النمط النبطي لحماية زوّار اليوم، في دليلٍ على أنّ الحلول القديمة ما زالت قادرة على أداء عملها.
مشاهدة منشآت المياه اليوم
عند بداية السيق يمكنك أن ترى السدّ ومدخل نفق التحويل. وداخل الشِّعب، تتبّع القنوات وبقايا الأنابيب الفخارية على امتداد الجدران. وفي وسط المدينة ابحث عن الآبار المحفورة في الصخر، وزُر منطقة البركة والحديقة القديمتين. وأبعد من ذلك، يحتفظ موقع الحميمة النبطي، بين البتراء والعقبة، ببقايا قناة مياه طويلة وخزّانات. وحيثما رأيت في جنوب الأردن فتحةً مربّعة متقنة في الصخر، فالأرجح أنّ نبطيًّا خزّن فيها الماء ذات يوم.
أسئلة شائعة
كيف كانت البتراء تحصل على الماء؟
جلب الأنباط الماء إلى البتراء من ينابيع خارج المدينة عبر قنوات محفورة في الصخر وخطوط من الأنابيب الفخارية، ما زال بعضها ظاهرًا في السيق. وجمعوا كذلك مياه الأمطار عن أسطح الصخور في مئات الآبار والخزّانات، مستعينين بأحواض الترسيب لتنقيتها. وكانت هذه المنظومة تزوّد البيوت والنوافير والحدائق.
هل حمى الأنباط البتراء من السيول؟
نعم. بنوا سدًّا عند مدخل السيق، وشقّوا نفقًا في الصخر يصرف مياه السيول إلى وادٍ مجاور، فيما كانت سدود أصغر في الأودية الجانبية تُبطئ جريان الماء. وتسير الحماية الحديثة من السيول عند مدخل السيق على المخطّط النبطي نفسه.
أين يمكنني مشاهدة قنوات المياه النبطية؟
أسهل مكان هو السيق في البتراء، حيث تمتدّ القنوات وبقايا الأنابيب الفخارية على جداريه كليهما. ويمكن رؤية الآبار وبقايا حديقة وبركة في وسط المدينة. وتبقى أنظمة مياه نبطية أخرى في جنوب الأردن، كقناة المياه والخزّانات في الحميمة، والآبار في منطقة وادي رم.
المزيد من الحكايات

لغة الفنجان: طقوس القهوة البدوية في الأردن

ثلاثة أيام وثلث: شريعة الضيافة عند البدو

حكاية المنسف: وليمة الأردن حول سدرٍ واحد
السوسنة السوداء: زهرة الربيع الأردني الداكنة

تحت سماء الصحراء: النجوم في موروث بدو وادي رم

نارٌ على قمّة التلّ: قلعة عجلون ونيران الإشارة والحمام الزاجل

سكة حديد الحجاز: قطار البخار الذي عبر الصحراء
