أردنّنا
تحت سماء الصحراء: النجوم في موروث بدو وادي رم
أسطورة · وادي رم

تحت سماء الصحراء: النجوم في موروث بدو وادي رم

حين تخبو النار في مخيّم بوادي رم وتألف عيناك العتمة، تمتلئ السماء بنجومٍ أكثر ممّا رآه معظم الناس في حياتهم. ولم تكن هذه السماء يومًا خالية عند البدو؛ كانت تقويمًا وبوصلةً وكتابَ حكايات.

بوصلة وتقويم

قبل الخرائط الحديثة بزمن طويل، كان مسافرو الصحراء يقطعون مسافات شاسعة ليلًا، حين يكون الجوّ ألطف، مهتدين بالنجوم. وأهمّها الجدي، النجم الذي يُعرف اليوم بالنجم القطبي، إذ يكاد يثبت في السماء الشمالية فيما تدور النجوم الأخرى من حوله. فمن عرف موضعه عرف الشمال أبدًا، وكان الأطفال يتعلّمون الاهتداء إليه في سنّ مبكرة.

وكانت النجوم تحدّد المواسم أيضًا. فقد قسّم الموروث العربي السنة بحسب طلوع نجوم بعينها وغروبها عند الفجر، فكان ذلك يعين الرعاة على معرفة أوان المطر وأوان الرحيل بمواشيهم. ومن أشهر هذه العلامات طلوع سهيل، النجم اللامع الذي يُعرف عالميًا باسم Canopus، منخفضًا في السماء الجنوبية في أواخر الصيف. ويقول مثلٌ بدوي إنه إذا طلع سهيل بدأت الليالي تبرد.

الخاطب الذي يتبع الثريا

من أحبّ حكايات النجوم حكاية الثريا، ذلك العنقود الصغير المتلألئ المعروف بالإنجليزية باسم Pleiades. فبحسب أسطورة عربية قديمة، أحبّ نجمٌ يُدعى الدبران الثريا وأراد أن يتزوّجها، فأبت، لكنه لم ييأس. ولذا يتبع الدبران الثريا كلّ ليلة عبر السماء دون أن يبلغها قط، ويسوق أمامه قطيعًا صغيرًا من الإبل، هي النجوم المحيطة به، يقدّمها مهرًا للعروس. والدبران هو النجم البرتقالي اللامع المعروف عالميًا باسم Aldebaran، ومعنى اسمه «التابع». انظر نحو الشرق في مساء شتوي، وستشهد المطاردة بنفسك.

الخاطب الذي يتبع الثريا
صورة: Trldp · CC BY-SA 4.0

أسماءٌ جابت العالم

كثيرٌ من أسماء النجوم المستعملة في علم الفلك اليوم عربيّ الأصل. فاسم Rigel من «الرِّجل»، وDeneb من «الذَّنَب»، وAltair من «الطائر»، وFomalhaut من عبارة تعني «فم الحوت». وقد انتقلت هذه الأسماء من كتب الفلك العربية إلى اللغات الأوروبية في العصور الوسطى، وما زال الفلكيون يستعملونها حتى اليوم.

وتحكي أسطورة قديمة أخرى عن «بنات نعش»، نجوم ذراع الدبّ الأكبر. ففي إحدى رواياتها يطفن حول السماء الشمالية إلى الأبد، يحملن نعش أبيهنّ ويطلبن من يتّهمنه بقتله، وهو قائمٌ عند قطب السماء الثابت. وتختلف هذه الحكايات من قبيلة إلى أخرى، لكنها جميعًا تُظهر مدى تأمّل أهل الصحراء في السماء.

رصد النجوم في وادي رم اليوم

وادي رم من أفضل الأماكن في الأردن لمشاهدة سماء الليل، بفضل هوائه الجافّ وبُعده عن أضواء المدن. بِت ليلتك في مخيّم صحراوي، وابتعد قليلًا عن أضواء المخيّم، وامنح عينيك عشرين دقيقة لتألفا الظلام. وفي الليالي غير المقمرة يمتدّ درب التبّانة واضحًا من أفقٍ إلى أفق. واسأل مضيفيك من البدو عن النجوم، فكثيرٌ منهم ما زالوا يعرفون الأسماء القديمة ويستطيعون أن يدلّوك على النجوم التي كانت تُستعمل للاهتداء في السفر وعدّ المواسم. واحمل معك طبقة ملابس دافئة، فليالي الصحراء قد تكون باردة حتى بعد نهار حارّ.

أسئلة شائعة

هل وادي رم مناسب لرصد النجوم؟

نعم. فهواء وادي رم جافّ صافٍ، والتلوّث الضوئي فيه قليل جدًّا، ما يجعله من أفضل الأماكن في الأردن لرصد النجوم. وفي الليالي التي لا يسطع فيها القمر يظهر درب التبّانة بوضوح. والمبيت في مخيّم صحراوي والابتعاد عن أضوائه يمنحانك أجمل مشهد.

كيف استعمل البدو النجوم؟

استعمل البدو النجوم للاهتداء إلى الاتجاه في أسفارهم الليلية، ولا سيّما نجم الشمال المعروف بالجدي. وتتبّعوا كذلك طلوع نجوم بعينها وغروبها ليعرفوا المواسم ويتوقّعوا الأمطار ويدبّروا تنقّل مواشيهم. وكان نجم سهيل علامةً معروفة على انقضاء أشدّ فصول السنة حرارة.

ما أسماء النجوم ذات الأصل العربي؟

كثيرٌ من أسماء النجوم المألوفة عالميًا عربيّ الأصل، منها Aldebaran وAltair وBetelgeuse وRigel وDeneb وVega وFomalhaut. وقد دخلت اللغات الأوروبية عبر ترجمات كتب الفلك العربية في العصور الوسطى، وكثيرًا ما تصف معانيها الأصلية عضوًا أو موضعًا في هيئةٍ من هيئات النجوم عند العرب القدماء.